ابو القاسم عبد الكريم القشيري

315

شرح الأسماء الحسنى

أي بمدح واستحقاق ثناء ، ويكون الحمد في اللغة بمعنى الرضا ، يقال : بلوته فحمدته أي اختبرته فارتضيته ، ويكون الحمد بمعنى العاقبة ، يقال : حمادى أمرك أي عاقبة أمرك ، فقول القائل : الحمد للّه يكون بمعنى المدح للّه والشكر للّه والرضا للّه ، وأن من حمد اللّه تعالى جل جلاله وكما حمد نفسه بخطابه الأزلي حمد خلقه الذين أثنى عليهم بذكر خصالهم الحميدة ، وحمد العبيد للّه سبحانه إذا كان بمعنى مدحهم وثنائهم ، فيكون بتوفيق من اللّه سبحانه وتعالى ولا يقبل ذلك إلا أن يكون عن تحقيق . والتحقيق عرفان القلب ما يثنى به على الرب ، لأن اللّه تعالى أبى أن يقول العبد ما لا يعلم في وصفه ، وإن كان صادقا في قوله ، قال اللّه سبحانه : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » وأما حمده الّذي هو شكره فينبغي أن يكون على شهود المنعم لأن حقيقة الشكر الغيبة بشهود المنعم عن شهود النعمة . وقيل : إن داود عليه السلام قال في مناجاته : إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ ، فأوحى اللّه إليه : الآن قد شكرتنى . وكم من عبد يتوهم أنه في نعمة يجب عليه شكرها وهو في الحقيقة في محنة يجب عليه الصبر عنها ، فإن حقيقة النعمة ما يوصلك إلى المنعم ، لا ما يشغلك عنه ، فإذا النعم ما كان دينيا ، فإن كان مع النعم الدينية إرب معجل فهو الكمال ، فإن وجد التوفيق للشكر وإلا انقلبت النعمة محنة . ويقال : إن اللّه تعالى أوحى إلى موسى ، عليه السلام : ارحم جميع الخلق ، المبتلى منهم والمعافى ، فقال : هذا المبتلى فما بال المعافى ؟ قال : لقلة شكرهم ، وباللّه التوفيق الموسع الأشياء بعد الضيق .

--> ( 1 ) البقرة : 169 .